ابن الأثير
421
أسد الغابة ( دار الفكر )
الوحي ؟ فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده عليّ ، فيفصم عنى وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ، فيكلمني فأعى ما يقول ، قالت عائشة : فلقد رأيته في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصّد عرقا . وخرج إلى الشام مجاهدا أيام عمر بن الخطاب بأهله وماله ، فلم يزل يجاهد حتى استشهد يوم اليرموك في رجب من سنة خمس عشرة ، وقيل : بل مات في طاعون عمواس سنة سبع عشرة ، وقيل : سنة خمس عشرة . ولما توفى تزوج عمر بن الخطاب امرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ، أخت خالد بن الوليد ، وهي أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام . وقال أهل النسب : لم يبق من ولد الحارث بن هشام بعده إلا عبد الرحمن ، وأخته أم حكيم . روى عبد اللَّه بن المبارك عن الأسود بن شيبان ، عن أبي نوفل بن أبي عقرب ، قال : خرج الحارث بن هشام من مكة للجهاد ، فجزع أهل مكة جزعا شديدا ، فلم يبق أحد يطعم إلا خرج يشيعه ، فلما كان بأعلى البطحاء وقف ووقف الناس حوله يبكون ، فلما رأى جزعهم رقّ فبكى ، وقال : يا أيها الناس ، إني واللَّه ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم ، ولا اختيار بلد عن بلدكم ، ولكن كان هذا الأمر ، فخرجت رجال ، واللَّه ما كانوا من ذوى أسنانها ، ولا في بيوتاتها ، فأصبحنا ، واللَّه ، ولو أن جبال مكة ذهبا ، فأنفقناها في سبيل اللَّه ، ما أدركنا يوما من أيامهم ، واللَّه لئن فاتونا به في الدنيا لنلتمسنّ أن نشاركهم به في الآخرة ، ولكنها النقلة إلى اللَّه تعالى . وتوجه إلى الشام فأصيب شهيدا . روى عنه ابنه عبد الرحمن أنه قال : « يا رسول اللَّه ، أخبرني بأمر أعتصم به ، قال : أملك عليك هذا ، وأشار إلى لسانه ، قال : فرأيت ذلك يسيرا ، وكنت رجلا قليل الكلام ، ولم أفطن له ، فلما رمته فإذا هو لا شيء شد منه . وروى حبيب بن أبي ثابت أن الحارث بن هشام ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعياش بن أبي ربيعة جرحوا يوم اليرموك ، فلما أثبتوا [ ( 1 ) ] دعا الحارث بن هشام بماء ليشربه ، فنظر إليه عكرمة ، فقال : ادفعه إلى عكرمة ، فلما أخذه عكرمة نظر إليه عياش ، فقال : ادفعه إلى عياش ، فما وصل إلى عياش حتى مات ، ولا وصل إلى واحد منهم ، حتى ماتوا . أخرجه الثلاثة . مخربة : بضم الميم وفتح الخاء ، وكسر الراء المشددة ، وأبير : بضم الهمزة ، وفتح الباء الموحدة وعياش : بالياء تحتها نقطتان ، وآخره شين معجمة .
--> [ ( 1 ) ] أي جرحوا جراحة لم يقوموا منها .